السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
660
مختصر الميزان في تفسير القرآن
( الشعراء / 89 ) فإنه لما نفى النفع عن المال والبنين يوم القيامة أمكن أن يتوهم أن لا نجاح يومئذ ولا فلاح فإن معظم ما ينتفع به الانسان إنما هو المال والبنون فإذا سقطا عن التأثير لم يبق إلا اليأس والخيبة فأجيب أن هناك أمرا آخر نافعا كل النفع وإن لم يكن من جنس المال والبنين وهو القلب السليم . وهذا الذي ذكرناه من انقطاع الاستثناء هو الأوفق بسياق الآية وكون قوله : بِالْباطِلِ قيدا أصليا في الكلام نظير قوله تعالى : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ ( البقرة / 188 ) وعلى هذا لا تخصص الآية بسائر المعاملات الصحيحة والأمور المشروعة غير التجارة مما يوجب التملك ويبيح التصرف في المال كالهبة والصلح والجعالة وكالإمهار والإرث ونحوها . قوله تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ظاهر الجملة أنها نهي عن قتل الإنسان نفسه لكن مقارنتها قوله : لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ ، حيث إن ظاهره أخذ مجموع المؤمنين كنفس واحدة لها مال يجب أن تأكلها من غير طريق الباطل ربما أشعرت أو دلت على أن المراد بالأنفس جميع نفوس المجتمع الديني المأخوذ كنفس واحدة نفس كل بعض هي نفس الآخر فيكون في مثل هذا المجتمع نفس الإنسان نفسه ونفس غيره أيضا نفسه فلو قتل نفسه أو غيره فقد قتل نفسه ، وبهذه العناية تكون الجملة أعني قوله : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ مطلقة تشمل الانتحار - الذي هو قتل الإنسان نفسه - وقتل الإنسان غيره من المؤمنين . وربما أمكن أن يستفاد من ديل الآية أعني قوله : إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً أن المراد من قتل النفس المنهي عنه ما يشمل إلقاء الإنسان نفسه في مخاطرة القتل والتسبيب إلى هلاك نفسه المؤدي إلى قتله ، وذلك أن تعليل النهي عن قتل النفس بالرحمة لهذا المعنى أوفق وأنسب كما لا يخفى ، ويزيد على هذا معنى الآية عموما واتساعا ، وهذه الملائمة بعينها تؤيد كون قوله : إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً تعليلا لقوله : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ فقط .